كتبت : لانا جلبي
جريدة واترلو تايمز الكندية
في زمنٍ تتشابك فيه الأسئلة حول الذات والهوية والصدق الداخلي، يطلّ الكاتب المصري محمد صلاح الباز بكتابه الجديد «وبكل نرجسية أقول» الصادر عام 2025، واضعا القارئ أمام مرآة صريحة لا تخلو من الجرأة والوعي. كتابٌ يثير الجدل بقدر ما يفتح باب التأمل، ويقدّم تجربة إنسانية تحاور الأنا بلا أقنعة.
في هذا الحوار القصير، نقترب من الكاتب، ونغوص معه في كواليس الكتابة، والصوت، والإنسان خلف النص.
حوار يتركنا أمام سؤال مفتوح،
كم نحتاج من الصدق مع أنفسنا لنكتب… أو لنعيش؟
في بداية الحوار، لمن لم يتعرف إليك بعد.. كيف تقدم نفسك للقراء؟ وكيف تحب أن يراك القارئ من خلال كتاباتك؟
أقدم نفسي كصوتٍ يحاول أن يجد صداه في نفوس الآخرين، وقارئٍ نهمٍ تحول شغفه بالكلمة المسموعة والمقروءة إلى رغبة في التدوين. لستُ مجرد راوٍ للأحداث، بل أنا باحث عن الحقيقة الإنسانية وسط ضجيج الزيف. أحب أن يراني القارئ كمرآةٍ صادقة، يرى فيها مخاوفه وآماله، وصديقاً يمسك بيده في رحلة البحث عن الذات، بعيداً عن التعقيد، وقريباً جداً من نبض الواقع.
ما الدافع وراء اختيار عنوان “وبكل نرجسية أقول”؟
هذا العنوان لم يأتِ من العدم، بل هو امتدادٌ لنجاحٍ سابق؛ فقد كانت لي تجربة صوتية حملت الاسم ذاته ولاقت صدىً واسعاً. لقد أصبح هذا العنوان بمثابة “توقيع” خاص، وجسرٍ عبرتُ به من عالم الصوت إلى عالم الورق، حاملاً معه تلك النبرة الواثقة والمميزة.
هل تعكس النرجسية هنا اعترافاً صريحاً بالذات أم طرحاً نقدياً ساخراً لها؟
بل هو “اعتراف صريح” بوجود هذا النمط من الشخصيات بيننا، وتشريح دقيق لها. العنوان هنا ليس مدحاً للذات، بل هو تسليط للضوء الكاشف على “الشخصية النرجسية” التي قد تعيث فساداً في حياة من حولها دون أن يُشعر بها. إنه عنوان يصدمك ليدفعك إلى الفهم.
كيف وُلدت فكرة هذا الكتاب؟ وهل استندت إلى تجربة شخصية أم إلى قراءة معمّقة للواقع الإنساني والمجتمعي؟
الكتاب هو وليدُ الألم والمعرفة معاً. لقد خرج من رحم تجربة شخصية مريرة، استلزمت مني وقتاً طويلاً للتعافي وللتيقن مما إذا كانت الشخصيات التي صادفتها تندرج تحت هذا الاضطراب أم لا. لم أكتفِ بذلك، بل دعمتُ تجربتي بالقراءة النهمة والبحث العميق في أغوار هذه الشخصية، مضافاً إليها تجارب مؤلمة لأصدقاء مقربين. شعرتُ حينها أن الصمت لم يعد خياراً، وأن الحديث عن هذا الموضوع بات واجباً أخلاقياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إلى أي حد يمثل هذا العمل انعكاساً لشخصيتك وتجربتك ككاتب؟
قد يخلط بعض القراء بين “الراوي” وبين
“البطل”، فيتساءلون إن كنت أكتب عن نفسي. الحقيقة هي أن الشخصيات والأمثلة المذكورة في الكتاب لا تمثلني، بل تمثل “الآخر” الذي واجهته. الكتاب ليس مرآة لعيوبي، بل هو خارطة للألغام التي نجوت منها. أما إذا كان السؤال عن الفائدة، فقد استفدتُ على المستوى الشخصي بشكل هائل؛ فالكتابة كانت رحلة تشافٍ وإعادة اكتشاف للذات بعد العاصفة.
ما الرسالة الجوهرية التي تسعى لإيصالها إلى القارئ من خلال هذا الكتاب؟
الرسالة هي “النجاة”. لقد رأيتُ بأم عيني أرواحاً تزهق وتختار الموت انتحاراً بسبب الوقوع في فخ الشخصية النرجسية. المأساة الحقيقية ليست فقط في الأذى النفسي، بل في “الطمس”؛ أن يفقد الضحايا -الذين كانوا يملكون يوماً كاريزما وقرارات صائبة- هويتهم الحقيقية، ويتحولوا إلى مجرد أدوات في يد النرجسي. بعد وقت طويل، يكتشف الضحية أنه أصبح فارغاً، بلا شخصية، والإنسان لا يستطيع العيش بلا هوية، فيكون الهروب من الحياة هو الحل الأسهل.
حدثنا باختصار عن هذا الكتاب؟
هو كتاب يُخاطب العقل بلغة الواقع، بعيداً عن التقعر الفلسفي. حاولتُ
فيه أن أبتعد عن التنظير المعقد للقوانين النفسية، وقدمتُ بدلاً من ذلك أمثلة حية، واضحة، ومقرونة بالحلول العملية. أثق أن القارئ سيجد فيه ضالته، ليس لأنني كاتبه، بل لأن كل قانون صيغ فيه سيترك بصمة ووعياً جديداً بداخله يحميه في معاركه القادمة.
برأيك، كيف يتفاعل القارئ العربي اليوم مع الأعمال التي تتناول الذات، والوعي بالأنا، والصدق الداخلي؟
لا أنكر أن الذائقة العربية تميل عاطفياً إلى الرواية والسرد القصصي -وأنا نفسي من عشاق الروايات- مما يجعل كتابة الكتب الفكرية أو النفسية مغامرة محفوفة بالمخاطر. الكتابة في هذا المجال مسؤولية ثقيلة؛ ففي الرواية قد يغفر القارئ ضعف سطرٍ ما، أما في هذا النوع من الكتب، فكل سطر يجب أن يحمل معلومة ثمينة ومعنىً يضيف للقارئ. إنها مخاطرة، لكنني أقدمت عليها لأنني أحمل في جعبتي حقائق كان لا بد أن تُقال.
تعمل حالياً على مؤلفات أخرى قيد الإعداد، هل يمكن أن تطلعنا بإيجاز على طبيعتها؟
نعم، أنا بصدد الدخول في عالم جديد كلياً، حيث أعمل حالياً على سلسلة روائية من أدب الفانتازيا بعنوان “الخالدون التعساء”. وقد انتهيتُ بالفعل من كتابة الرواية الأولى منها، وسأعلن عن اسمها النهائي قريباً.
وهل تختلف هذه الكتابات الجديدة في الرؤية أو الأسلوب عن هذا العمل؟
الاختلاف جذري وبنسبة 100%. أنتقل من تشريح النفس البشرية والواقعية المؤلمة، إلى فضاء الخيال الرحب وبناء العوالم الأسطورية. إنها نقلة نوعية في أسلوبي وتحدٍ جديد لقلمي.
إلى جانب الكتابة، تنشط في مجال التعليق الصوتي (Voice Over)، كيف أسهم هذا المجال في تطوير أدواتك التعبيرية وأساليبك السردية؟
التعليق الصوتي كان مدرستي الأولى. بحكم عملي، قرأتُ مئات النصوص والروايات بصوتي، مما جعلني قارئاً نهماً ومستمعاً جيداً لإيقاع الكلمات قبل أن أكون كاتباً. هذا المجال علمني ما الذي يطرب أذن القارئ وما الذي يلامس شعوره، ومنحني القدرة على معرفة “ما يحتاجه المتلقي” بالضبط، وهو ما حاولت تطبيقه بحذافيره في تجربتي الكتابية الأولى.
هل تفكر مستقبلاً في تحويل بعض نصوصك إلى أعمال صوتية أو محتوى مسموع؟
الفكرة حاضرة وبقوة، لكنها خطوة مؤجلة بعض الشيء. تحويل النص إلى عمل صوتي متقن يتطلب مجهوداً ضخماً وإنتاجاً يليق بالنص، وأنا لا أقبل بأنصاف الحلول في الجودة.
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة الإنسانية أو الكلمة الصادقة التي تحب أن تتركها للقارئ، بعيداً عن الألقاب والكتب، وقريباً من الإنسان؟
رسالتي لك ان تحافظ على ملامح روحك الأصلية مهما كلفك الأمر. في عالمٍ يحاول باستمرار أن يجعلك نسخةً باهتةً أو ظلاً لشخصٍ آخر، تذكر أن أعظم إنجاز قد تحققه هو أن تظل أنتَ. لا تسمح لأحد أن يستخدمك كوقود لنرجسيته، ولا كجسرٍ يعبر عليه ثم يحرقه. قيمتك تنبع من داخلك، من صدقك مع نفسك، ومن قدرتك على قول ‘لا’ لكل ما يطمس هويتك. كن بطل روايتك، ولا ترضَ أبداً بدور الضحية في روايات الآخرين.
في نهاية هذا اللقاء، لا يبدو الكتاب مجرّد عمل جديد في مسيرة كاتب، بل محطة للتأمل والمواجهة مع الذات. «وبكل نرجسية أقول» يترك للقارئ حقّ التأويل، ويدعوه إلى قراءة نفسه بقدر ما يقرأ النص. حوار يذكّر بأن الكتابة الحقيقية تبدأ حين يكون
الصدق حاضرًا، سواء في الكلمة أو في الإنسان الذي يقف خلفها.









